X
تبلیغات
عرب ایران - الشهید فی الأدب العربی























عرب ایران

الجمیع یفکر فی تغییر العالم ولا أحد یفکر فی تغییر نفسه : لئو تولستوی

 

 

 دراسة ادبیة :
* حول الشهید فی الأدب العربی.
* ابتسام اغفیر.

إننا عندما نتحدث عن الشهید نلج إلی عوالم الجنة والفردوس العظیم ،فنرى الرایات هناك ترفرف خفاقة عالیة فی سماء ذلك الفردوس مضرجة بدماء الشهداء ،وتفوح منها ریاحین المسك والعنبر ،تلوح فی الأفق لتعلن لنا نحن الأحیاء بان الشهداء هم أیضا إحیاء لا یموتون.
* (( حدیث مترامی الأطراف ))
إن الحدیث عن الشهداء فی الأدب العربی حدیث مترامی الأطراف متباعدها ،یحتاج إلی جهد اطلاعی ومقرئ لاشعار وقصائد وقصص وروایات ...وغیرها من ألوان الأدب لنستطیع بعد ذلك لملمت شتات ذلك الكل المبعثر ،فبالبحث والذی حاولت إن یكون دؤوب لاحظت إن مكتبتنا ولنقل اللیبیة تفتقر إلى هذا النوع من الدراسات ، لذلك واجهت صعوبات لابأس بها عند القیام بهذه الدراسة التی أحاول من خلالها عرض مجهود أدبی مبسط یعرض لإسهامات وإبداعات أدباء مخضرمین اوهم غیر ذلك فی هذا المجال ، كما إننی ابذل قصارى جهدی فی إیصال الحلقات التاریخیة ببعضها والتی قد تكون منفصلة ، ولتكن البدایة بالشهید اسماً ولفظاً (( أنه ذلك الإنسان الذی قتل فی سبیل الله ، وسمی كذلك لان ملائكة الرحمة تشهده ، ولانه حی عند ربه حاضره)).
* (( أین الشهید)).
ومن هذا القول التعریفی للشهید نستدرك أن الشهید عرف بهذا المفهوم ،وعلا شأنه ،وارتقت مكانته فی عصر الإسلام وما بعده ونستشهد علی ذلك بقول الله العزیز الحكیم فی كتابه الكریم (( ولاتحسبن الذین قتلوا فی سبیل الله أمواتا بل أحیاء عند ربهم یرزقون )) سورة آل عمران ، وفی الحدیث الشریف عن ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ انه سئل عن قوله تعالى (( ولاتحسبن الذین قتلوا فی سبیل الله أمواتا بل أحیاء عند ربهم یرزقون ..)).فقال:ـ إما قد سألنا عن ذلك ، فاخبرنا إن أرواحهم فی طیر خضر ، تسرح فی الجنة حیث شاءت وتأوی إلی قنادیل معلقة بالعرش ، فاطلع إلیهم ربك اطلاعه ، فقال:ـ هل تستزیدون شیئیا فازیدكم ؟قالوا :ربنا ،وما نستزید ونحن نسرح فی الجنة حیث شئنا؟ ثم اطلع إلیهم الثانیة ، فقال: هل تستزیدون شیئاً فازیدكم ؟ فلما رأوا انهم لم یتركوا ،قالوا : تعید إلینا أرواحنا، حتى نرجع إلى الدنیا ، فنقتل فی سبیلك مرة أخرى)). حدیث حسن صحیح رواه الترمذى.
* (( الشهید فی الأدب العربی ))
لقد كرم الله الشهداء فجعلهم أحیاء عنده یرزقون ، وخّبر الرسول علیه الصلاة والسلام عن حالهم فی جنات الفردوس العظیم ، فبماذا نمجدهم نحن البشر الضئیلین المتواجدین فی دار الباطل وهم فی دار الحق مقیمین ؟ هل یكون غیر الأشعار التی تنظم ، والأقاصیص التی تحكى والروایات التی تروى ، والمقالات التی تنشر فی الصحف ، تحكى عن انتصاراتهم، وتروى بطولاتهم، وتصف صور استشهادهم ؟
فماذا عن الشهید وحقه فی الأدب العربی علی طول رحلته النضالیة تلك التی لم تنتهی ، وانّ لها أن تنتهی مادامت الأرض تستقبل الشهداء من فلسطین تلك البقعة المقدسة فی كل لحظة، وفی كل ثانیة ، إن الملهمة لم تنتهی فكیف یتوقف الإلهام .؟
ولنبداء بتلك الحقبة الزمنیة حقبة ما قبل الإسلام ,ولنقل الشهید ماذا كتب عنه فی عصر ما قبل الإسلام ، ؟هل كان یدعى الشهید ؟ أم كان یدعی القتیل ، الفقید ،الموتور؟
* (( مرثیتی الخنساء والمهلهل ))
لنجیب بالطبع لم یكن الشهید ولم ترد فی قصائد الرثاء التی قیلت ونظمت فی القتلى آنذاك كلمة الشهید، وانما جاء الرثاء حاراً بالغ الأثر والتأثیر ،فیستشعر القارئ وهو یقف أمام النص الشعری انه یعایش الحالة التی یقرأ عنها ،ومن اعظم تلك المرثیات وابلغها أثراً ــ تلك التی شهدها عصر ما قبل الإسلام ــ هی مرثیة الخنساء لأخیها صخراً ، ومرثیة المهلهل ابن ربیعه لأخیه كلیب , فكان من مرثیة الخنساء هذه الأبیات :
* قذى بعینیك أم بالعین عوار... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار
* كأن عینی لذكراه إذا خطرت ... فیض یسیل علی الخدین مدرارا.
ومن جید شعرها أیضا :
* أعینی جودا ولاتجمدا ... ألا تبكیان لصخر الندى.
أیضا من رثائها:
* إذا قبح البكاء على قتیل... رأیت بكاءك الحسن الجمیلا.
ومن بدیع قولها كذلك:
* یذكرنی طلوع الشمس صخراً...واذكره لكل غروب شمس.
ومن رثاء المهلهل لأخیه كلیب شعر یقول فی مطلعة:
* اهاج قذاء عینی ألا دكار... هدوءاً فالدموع لها انهمار
* وصار اللیل مشتملاً علینا..... كأن اللیل لیس له نهار.
وتجود قریحة شاعرنا الذی أصابته الفجیعة فی أعماق قلبه بأبیات شعریة بدیعة التنسیق والتمازج لیقول محدثاً أخاه:
* دعوتك یا كلیب فلم تجبنی ...وكیف یجیب البلد القفار.
* أجبنی یا كلیب خلاك ذم... لقد فجعت بفارسها نزار.
لیكون ختام قصیدته بأبیات بمثابة عهد قطعه على نفسه للانتقام:ـ
* خذ العهد الأكید على عمری ... بتركی كل ما حوت الدیار.
* ولست بخالع درعی وسیفی ... إلی أن یخلع اللیل النهار.
* (( انطفأت أقلام الشعراء ))
غیر أن ذلك لا یعدو كونه رثاء یعتنقه بعض الشعراء وتطوقه الخصوصیة التی هی شعور الأخ نحو أخیه وما أكثرها عند عرب الجاهلیة ،ولیأتی عصر الإسلام الذی عظم الشهادة والشهداء مدعماً هذه المكانة بالآیات القرآنیة والأحادیث النبویة , ومع هذه المعجزة اللغویة الكبرى ـ معجزة القرآن الكریم ـ انطفأت أقلام الشعراء ، وخمدت قریحتهم ، لان هذه المعجزة هزتهم وشغلتهم كثیراً ،كما أن القرآن أمر بالإقلاع عن الأغراض الشعریة التی كان لها مكانة مرموقة فی الجاهلیة كالهجاء والغزل والرثاء والمدح والاقتصاد فیها، مما سبب ذلك فی خمود حركة الأدب بوجه عام على الرغم من حركات الجهاد التی شهدتها تلك الحقبة الزمنیة من فتوحات إسلامیة فی مختلف مناحی الكرة الأرضیة ، لننتقل بعد ذلك إلی حقبة العصریین الأموی والعباسی والتی بدأت الحركة الأدبیة الشعریة ــ خلالهما ـ تدب فی جسد الشعر لیعاود حیاته التی كان یفخر بها فی فترة ما قبل الإسلام فاقتصر الشعر وانتشر على نطاق المدح للملوك لنیل عطاءیهم ، والغزل الصریح والهجاء وما إلی ذلك من ألوان هذه الأشعار ومن الملاحظ إن هذه العصور لم تظهر فیه ملامح القصة والروایة ،بل انتشرت فیها الرسائل والمقامات والخطب الشفهیة والمكتوبة وبعض الكتابات التی تصف النوادر والطرائف التی انتشرت فی تلك الحقبات الزمنیة المتتابعة.
* (( إشعال نار الحماسة ))
إن الشهید لم یذكر اسمه صریحاً جلیاً وتحدثت عنه القصص والأشعار و الروایات ألا فی العهد الحدیث بعد اندلاع الحروب فی الوطن العربی ،والقیام بالثورات ، وتمرد الجماهیر الكادحة على مستعمری أراضیها ،فعظمت التضحیات بالدماء والأرواح فی سبیل الله والوطن ، وللحفاظ على العرض والشرف ،فلم یلقى الأدباء بدءً من المشاركة فی هذه الثورات والتضحیات ،إلا عن طریق إشعال نار الحماسة المتأججة فی صدور الثوار وتخلید الشهداء وسرد بطولاتهم لتكون خالدة عبر الزمن وتحفیزاً ورفعاً لهمم الأحیاء الثائرین فكان الأدب العربی ثرى وثری جداً بكتاباته عن الشهداء، الذین استعمروا طویلا ،وشردوا طویلاً،وسلبت منهم الأرض والعرض فكان لابد للثائر العربی من الدفاع عن وطنه ،فزخرت البلاد العربیة بالشهداء وزخر معها أدبها فنظمت الأشعار وصیغت الأقاصیص وحیكت الروایات ،فجاء أدبا ثوریاً متمازجاً ومتكاملاً فی إعطاء الشهداء حقهم من الذكر والتمجید.
* (( الشهداء ومكتبة الأدب العربی )).
لقد أثرى الشهداء مكتبة الأدب العربی من المحیط إلی الخلیج .نعم لقد كثرت التضحیات وكثرت معها الملاحم الأدبیة التی تعتز بالشهداء وتفخر بشعب آبی حارب الظلم ولازال یحارب.
ولعلنا ونحن هنا نحاول تفتیت وتحلیل الأدب العربی لكی نقف على نسیجه الفنی و معطیاته الإنسانیة عند تناوله للشهید ، نبحث فی أكوام من الاتساقات الفنیة التی یحاكى بها الأدیب العربی اللحظات الحساسة والتی تحدث التماس بین عوالمه الداخلیة التی تتحطم فی أطرها ماهیات الزمان والمكان وبین الواقع الخارج فی حدوده الموضوعیة ، إن لكل كلمة قیلت فی الشهید فی الأدب العربی لوناً وطعماً ورائحةً اكتسبهاـ عن وعى أو غیر وعی ـ من الأدیب العربی أثناء عملیة الإبداع وما هذا إلا خلیطاً من الاحساسات والتجارب الإنسانیة .
* (( إلیك هناك حیث تموت ))
ترى هل یستطیع أدیب ما أن یكتب عن معاناة لم یعشها أو یشعر بها لا أظن ذلك فكل أدیب هو إنسان عاش ماسأته وماسأة شعبه ولكنه یعبرعن هذه الماسأة وانجراحاته بها بوسائل تضفی علی المعانی ظلال وإیحاءات ،فیرسم بصور من خیال تعابیره واحساساته الحقیقیة , ومن ذلك ما نستفتح به دراساتنا هذه بقصیدة للشاعر الفلسطینی سمیح القاسم بعنوان (( إلیك هناك حیث تموت)) من دیوانه(( دمى على كتفی)).:
رسالتك التی اجتازت إلی اللیل والأسلاك
رسالتك التی حطت على بابی ..جناح ملاك.
أتعلم؟
حین فضتها یدای تنفضت أشواك.
على وجهی ..وفى قلبی..
أخی الغالی .
إلیك هناك .. حیث تموت.
كزنبقة بلا جذور.
كنهر ضیع المنبع.
كأغنیة بلا مطلع كعاصفة بلا عمر.
إلیك هناك حیث تموت كالشمس الخریفیة .
بأكفان حریریة.
إلیك هناك..یا جرحی و یا عاری.
یا ساكب ماء الوجه فی ناری.
إلیك من قلبی المقاوم جائعاً عاری.
تحیاتی وأشواقی.
ولعنة بیتك الباقی .
على الرغم من أن شاعرنا لم یذكر بصریح العبارة الشهادة ولكنه بنبرة خطابیة تعبیریة غیر مباشرة ، وفی حواره الدرامی ذاك یبین لنا إن هذه الأبیات التشبیهیة هی دعوة تحمل فی طیاتها اعمق سمات الصمود والتصدى والإكبار لأخ قابع هناك فی الأرض المحتلة .
* (( الأدب الفلسطینی ))
ویأخذنا بحر السطور لنجد أنفسنا فی مركب نسیر به نحو الأدب العربی الفلسطینی الذی ماكان لینشأ بهذه القوة لولا الاحتلال الصهیونی لفلسطین وقیامه بالمذابح والمقابر لابناء ذلك الصمود الآبی ،لنلتقی بالأدیب المناضل، الأدیب الشهید الذی یقدم رثاء لنفسه قبل أن یموت ، فهل كان یدرى شیئاً عن قدوم موته أم انه كان یعقل أن لامفر من موت مع وحوش غازیة ضاریة جائعة ومتعطشة للدماء العربیة ؟ ، انه كمال ناصر أحد الأدباء الفلسطینیین الذین سقطوا شهداء فی ساحة الورق والقلم ، فصار دمه حبراً ، وجسده ورقاً ، ومقتله إلهامًا، ففی دیوانه (( جراح تغنی )) خاطب أمه قائلاً:ـ بأنه سوف یعانق المنون ذات یوم وانه لامفر من هذا العناق مادام فی سبیل الوطن، فمرحباً به ، فنراه یعزیها ویصبرها ، فیقول :ـ
لاتطرقی ...!
فان جراح الحیاة بصدری.
تعذب صدری .
وان نداء القدر
یلون بالثأر عمری.
ویقذفنی للخطر
ویحیا على خاطری فی عذاب
وینسجنى فی الركاب
فامشى إلی مصرعی
ویمشى آبائی معی.
وتمشى بدربی جراح الشباب.
مصیری ..مصیرك بین الحراب .
وهذا الذهاب؟؟!
ثم ینتقل لیصف حالة مصرعه واستشهاده ، ذلك الثوری المناضل العاشق دوماً لارضه حتى استشهد لاجلها ..إذ انه یقول فی دیوانه السابق:ـ
إلى الذین برعموا فی مقلة الجراح .
واورقوا على رؤى النضال والكفاح.
وصلبوا مصیرهم فی خاطر السلاح.
واستشهدوا ،لیولدوا فی ثورة الصباح.
* ((شیخ الشهداء ))
ولنا بعد ذلك أن نختار أروع ما قاله احمد شوقی اشهر شعراء العربیة فی العصر الحدیث و أقدرهم على التصورات فی قصیدته المشهورة عن شیخ الشهداء عمر المختار والتی یقول فیها:ـ
یا أیها الشعب القریب آسامــع ... فأصوغ فی عمر الشهید رثاء.
أم ألجمت فاك الخطوب وحرقت ... أذنیك حیث تخاطب الإصغـاء.
ذهب الزعیم وأنت باق خالد ... فأنقذ رجالك واختر الزعماء.
أرح شیوخك فی تكالیف الوغى... واحمل على فتیانك الأعباء.
ها نحن نتحد فی الشعور والشعر كعرب فشهیدنا فی لیبیا یرثیه شاعر فی مصر بأروع المرثیات أرسخها فی عقول الناس التی ما انفكت ترددها كلما تر آت لها صورة الشهید عمر المختار ، انه بحبكة درامیة اقرب إلى الحواریة یخاطب الشعوب الحرة الأبیة بأنها یجب أن تنهض بأعباء رسالة الجهاد والاستشهاد بعد ان استشهد قائد هم ویجب على الشباب بعد ذلك أن یكون لهم هذا العلم عبرة.
* (( وامتدت الأرض حتى الجنوب ))
حین یزدان صدرك بالملصقات .
ویصبو إلی جرحك الماء طفلاً.
أخر أزهارك الشهداء
إلی القلب ..حقلاً.
ستكتب:
كان الذی سقط الیوم أصغرهم
ویخرج هذا النهار إلیك.
هذه القصیدة بعنوان الشهداء طالعنا بها الشاعر العربی إبراهیم نصر الله فی دیوانه المعنوّن ب(( وامتدت الأرض حتى الجنوب))، انه الوطن یحكى للعالم عن استشهاد أبناءه لاجله وان الذی سقط الیوم هو ، أصغرهم ،و أجملهم ،وأولهم ،ولكنك یاوطنى لذلك تبتسم سعید بحب أبناءك ، حزین لاجل فقدك لهم ،ولكن هم یحبونك وتحبهم، وهذا واجبهم نحو الأرض الحنون.
* (( من الشعر إلى القصة ))
إن اكثر نتاج العرب فی مجال الأدب كان الشعر فإذا ما رجعنا إلى تراثنا العربی القدیم نفتش فیه عن أرقی الآداب و أكثرها أصالة والتصاقاً بالناس نجده بالطبع الشعر، غیر انه وفی الفترة الأخیرة طغى الحر على الحیاة الحدیثة ما ذلك إلا نتاج الطبیعة الإنسانیة التی صارت تبحث عن أطراف التجربة التی تلقى الضوء على موقعها ، وبذلك صار الشعر ـ الشعر الحر ـ لایمكن أداءه بذلك القالب القدیم الذی تحكمه القافیة والتوازن فی الكلمات ، واستعمال الكلمات صعبة الفهم والتی تحتاج العودة للقوامیس والمعاجم التی تخص اللغة العربیة .. وعلیه فان هذا اللون من الشعر یطلق سراح الشعراء لتعبر قریحتهم عن تجاربهم المریرة بعیداً عن الموسیقى التقلیدیة للشعر.
* ((عائد إلى حیفا )).
ومن قالب الشعر ننتقل لنرى مكانة الشهید فی الأدب القصصی ..لتكون بدایتنا مع قصة (( عائد إلی حیفا)) للكاتب غسان كنفانی.. تلك القصة إلی یحدثنا فیها عن ماسأة شعب عانا من نیر الاستعمار والاحتلال الصهیونی.. قصة أب وأم تركا طفلهما لیس عن قصد ولكن بدافع الحرب والاحتلال المفاجئ لوطنهما..لقد دفعهم الجیش الغازی، و بحر الناس الذی غمرهما إلى الابتعاد عن المنزل الذی تركا فیه طفلهما فها هو یحدثنا ویصف لنا حالهما(( فمضت تشق طریقها بكل مافی ذراعیها من قوة وسط الغاب الذی كان یسد فی وجهها طریق العودة ، محاولة فی الوقت نفسه أن تضیع سعید ، الذی اخذ ـ دون ان یعی ــ ینادی صفیة تارة ، وینادی خلدون تارة أخرى)) .
ثم یسترسل الكاتب لیخبرنا عن عودة الأهل أی الوالدین بعد عشرین عاماً للبحث عن ولدهما المفقود لیجدا أن طفلهما قد تهود واصبح ضابط ببزته العسكریة فی الصفوف الیهودیة، فیعودا بخیبة أمل اكبر من سابقتها ،لتتداخل الأحداث والوقائع داخل وحدة نسیج القصة لنصل فی منتصف القصة ونقرأ (( وفی السادس من نیسان عام 1948 ف جئ ببدر إلى الدار محمولاً على أكتاف رفاقه كان مسدسه مازال فی وسطه أما بندقیته فقد تمزقت مع جسده بقذیفة تلقاها وهو على طریق تل الریش ،وشیعت العجمی جثمان بدر كما یتوجب على الرفاق أن یشیعوا الشهید)).
رغم أن كاتب القصة غسان كنفانی لم یذكر فی بدایة قصته شیئاً عن الشهادة والشهداء ألا إن هذه الفقرة كانت بمثابة رؤیة كاملة وموحدة لحال الفدائیین بفلسطین فی تلك الفترة وانه بسقوط هذا الشهید لم تنتهى أحداث القصة وانما استمرت فی سرد أحداثها التی تتسم بالمرارة ، وان فلسطین مازالت تستقبل الشهداء مادام الیهود على أرضها جاثمون.
* (( الرافضون یموتون وقوفا ))
وفی المجموعة القصصیة 14 قصة من مدینتی للكاتب والأدیب اللیبی كامل المقهور نختار(( قصة الرافضون یموتون وقوفاً)) . و یتحدث لنا كامل المقهور عن بطل قصته وشهیدها بأنه إنسان بسیط ملیئاً بالأمل والطموح یخطط للمستقبل بعین الشباب التی تحمل كل جمیل إلی إن جاء الغزو الإیطالی الفاشیست وحطم تلك الأحلام والآمال ..وبدافع حب الوطن یسقط عاشور بطل القصة شهیداً (( وكان ذلك فی أخر النهار والشمس تقطر بالدم ، وعاشور واقف فی أول الطابور وصدره للجنود ..وكان الضابط ینظر إلیه من فتحة خیمته و فی عینیه تشفّ وخوف ،والترجمان مختبئ وراء الخیمة وظله یرتعش على التراب ..وعندما انطلق الرصاص انكفأ وجه عاشور على الأرض وغاصت جبهته السمراء فی الأرض وصاحت مریم صیحة جریحة )).
لقد اتخذ صاحب القصة ، بطل القصة عاشور كرمز لعدید المناضلین والشهداء فی فترة الاحتلال الفاشستی آنذاك ،وان كل لیبی فی تلك الفترة إنما كان عاشور الرمز.
* ((بطولة شعب )).
إننا حین نسترسل فی الكتابة عن الشهید قد لانجد كتاباً تسعنا فصوله ، فأدبنا العربی ثری وزاخر فی أزمنته الأخیرة بالكتابة عن الشهید .. وكل الوطن العربی من محیطه إلی خلیجه كانت هذه الأحداث ملهمة أدبائه وكتّابه ..ففی قصة (( بطولة شعب)) لمحمود احمد النجار ومحمد رجب البیومى نقراء (( إن هذه القصة تتناول بالتصویر أحداث فترة من فترات هذا الكفاح العربی فی مصر للتخلص من قوى البغی : مظالم الممالیك واستعمار الأتراك ، واحتلال الفرنسیین ..إنها فی حقیقتها تصویر لمظالم مستعمرین وبطولة شعب لقی من عنت الممالیك والأتراك ، فقاوم ذلك بما طبع علیه من فطرة نقیة تنفر من الظلم وتقاومه ، ثم داهمه الاحتلال الفرنسی ، فكانت مقاومته لهذا الاحتلال عنیفة بقدر ماكان فی هذا الاحتلال من عنف ، مقاومة شملت الشعب من أقصاه إلى أقصاه على اختلاف طبقاته وجماعاته، فی كل قریة ومدینة ، فی كل حقل وشارع ، لقد كانت حرباً شاملة دلّت على مافی الشعب من روح أصیلة ، أفزعت المستعمر فلم یستقر به المقام طویلاً حتى حمل عصاه على كاهله ورحل.. إنها قصة تعتمد على وقائع ثابتة، مصدرها المراجع التاریخیة لهذه الفترة ،إنها صفحة فی تاریخ شعب حر،یكللها النصر،ویضیء جوانبها أصالة وعزة ومجد..)) لنقرأ ایضاً فی ختام القصة ..ما حدث به كاتباها عن الشهداء بالقول (( ولم یشأ خلیل إن یذهب إلی بیته قبل إن یتجه خاشعاً دامعاً إلی ضریح (عبد الستار) ..فوجده ینهض تحت شجرة جمیز تظلله بفروعها الممتدة ، وقد تناثرت علیها جماعات العصافیر تؤلف جوقة صادحة ترسل أعذب النغمات فقرأ الفاتحة مع القارئین وهو ینظر إلی الضریح فی إجلال ،ثم ألقى بسمعه إلی قروی یتمتع بروح الشاعر یقول فی تأكید : انظروا یا قوم إلی أعلى الشجرة -لیست هذه عصافیر تتناغم ولكنها أرواح الشهداء تحی روح (عبد الستار) )).
* (( الفدائیین الشباب )).
ومن أمثلة هذه القصص الثوریة كثیرة فی الأدب العربی ومنها قصة الفجر فی عیون الشهداء للمؤلف فوزی طاهر البشتى ، التی تتناول فی عرض قصصی قصیر أحداث نضال الفدائیین الشباب فی ساحات الوغى ضد الاحتلال الإیطالی.
* (( أبواب الموت السبعة ))
((غابت الشمس عن المكان ، غادرت إلی الشواطئ البعیدة حتى غطى جناح الظلام كل الزوایا، وصمتت الریح ثم تسللت إلی البعید عبر البحر الذی یهدر هناك على بعد كیلو متر من المعتقل الكبیر الشائك فی المقرون ، وصمت مهیب ولیل مبهم لا شئ سوی الأنین ، والاه العالیة ، هنا ..وهناك..وهنالك وأخبار تتری عن نهایة المقاومة فی الجبل الأخضر ، وصور إعدام عمر المختار معلقة فی كل مكان وبیانات عن انتصارات عسكریة لجیش أطلق العنان لشهوة القتل والتنكیل وإشباع رغبة رجل دموی یدعى غرسیانى )).
هذه المقتطفة من روایة أبواب الموت السبعة للقاص عبد الرسول العریبى وهى روایة تتحدث عن حالة الشعب العربی اللیبی أبان الاحتلال الإیطالی الفاسشتى وما تعرض له من تنكیل وتعذیب واستشهاد فی ظل أبواب الموت السبعة التی انفتحت علیه من شنق وقتل بالرصاص والمعتقلات والنفى إلی الأوطان المجهولة ، والجوع ، والجلد والظمأ ،فهل من قتل بألوان الموت تلك یعتبر شهید؟ ولما لا مادام العدو هو الذی فعل ذلك ! ومادام ذلك جهاداً فی سبیل الله والوطن.
* (( حتى فی الصحراء))

حتى فی الصحراء البعیدة الشاسعة ، وصل الاحتلال وواجهة أهلها بجسارة ،وقاوم ثائریه بشجاعة، واستشهد الكثیر من الثوار فی معارك المقاومة فكان الذی وصف فابدع ،وسرد فاتقن ، الكاتب الصحراوی و المبدع القصصی إبراهیم الكونی فی روایته الرباعیة(( الخسوف ))، إذ انه تناول فی جزئها الأول المعنوّن ((بالبئر)) بعد وصفه لحال الحرب والمعركة الضاریة الغیر متكافئة بین الفریقین الفرنسیین أهل الصحراء اللیبیین یخبرنا عن حال الشیخ غوما بطل روایته وقائد المعارك الصحراویة ((واستیقظ الشیخ غوما عند الفجر ، توضأ وصلى وانطلق إلی مقبرة الشهداء عند سفح الجبل الشمالی ، وقف أمام قبر الشیخ جبور طویلاً ثم جثا على ركبتیه وقرأ الفاتحة بصوت مسموع ، مكث هناك یسبح ویتمتم بآیات القرآن حتى ارتفعت الشمس ، كان یحجبها جبل الشمال ولكن أشعتها بدأت تداعب قمم جبال الجنوب.))
(( أحلام مستغانمی ))
هكذا هی منزلة الشهید فی الأدب العربی فی الأشعار القصص والروایات وما تحدثنا عنه هو غیض من فیض مما احتواه الأدب العربی من ملاحم تمجیدیة عن الشهید .
ولا ننسى ونحن نتناول الشهید هنا إن نذكر الشهید فی الجزائر فی ثورة الملیون شهید ، ونظراً لان مكتبتنا تفتقر إلی الإبداعات الجزائریة ، غیر إن اشهر ما كتب فی هذا المجال ــ وهو كلام منقول عن مصدر حی من الجزائر ــ كتابات أحلام مستغانمی فی روایتها ذاكرة الجسد ،حیث تحدثت هذه الروایة باستفاضة عن الجهاد الجزائری والشهداء الذین سقطوا فی ساحات معارك ذلك الجهاد ،أیضاً مجموعة قصصیة للطاهر وطار الروائی الجزائری معنوّنة (( الشهداء یعودون هذا الأسبوع)).
* (( جمیلة بوحیرد))
ولاتغیب عن ذاكرتنا فی هذه السطور المجاهدة جمیلة بوحیرد تلك المرأة التی ذاقت من ألوان التنكیل والعذاب مالم تذقه امرأة فی العالم وما ذلك إلا بإیعاز من ضمیرها فی سبیل وطنها.
* خلاصة.
ولنا إن نختم دراستنا هذه بالقول :ـ أن الأشیاء التی تسترعى الانتباه فی مختلف الصور الأدبیة التی تم عرضها هی إن الألفاظ والمعانی من الصور الأدبیة الفنیة الحزینة تصرخ بالمعنى المقصود ، وتتضح فی النبرات الخطابیة لمختلف النصوص الأدبیة الدرامیة .
أستطیع القول فی هذا المضمار إن أدبائنا وشعرائنا وكتّابنا وفقوا توفیقاً كبیراً فی اختیار هذه الصور التی یتصارع فیها الأمل مع الموت لیكبر الأمل وینبت أغنیة ترسلها أوتار قیثار الحیاة.
إن كل أدیب كتب عن ماسأته أو عبر عن ماسأة شعبه إنما كان یعمق ظلال الصور الفنیة الأدبیة فی نفوس وضمائر المتلقین باستخدام التعابیر التی تصور الحزن بأخیلة بالغة التأثیر والأثر.
إنما الشهید هو شئ أصیل فی تراثنا العربی القدیم وأكثره فی الحدیث ویعتبر رافداً مهماً من روافد الهام الأدباء والكتّاب والشعراء ، ولكن وجب علینا فتح عقولنا الثقافیة والفنیة ،وندعو للثورة فی فلسطین تلك الأرض المحتلة التی مازالت تستقبل أرضها یومیاً عشرات الشهداء ، الذین اثرّوا واثروا فی أفئدة الأدباء فكانت القصائد والقصص والروایات عن كل شهید ، صغیر وكبیر فى فلسطین ،ومنها ما قیل فی محمد جمال الدّرة ، ذلك الشهید الذی قتل خلف أباه فكانت النصوص الأدبیة فی تلك الفترة زاخرة بالعطاءات حوله ..وممن كتب حول ذلك الشاعر راشد الزبیر فی قصیدته (( مات الولد)):ـ
هذا الذی عشق الكرامة فاستعز به البلد.
هذا الذی كبرت به الآمال وانتفض الجسد.
وهوى علی ظهر الثرى مثل الشعاع قد اتقد.
من اجل إن یبقى لنا الأقصى وتؤنسنا صفد.
مات الولد
یایها الصقر المسافر كالشهاب وما ابتعـــــد.
افرد جناحی حائم انف السلاسل والوتـــــد.
واعصب جراحك إن من یرجو الشهادة قد حصد.
فاللیل مجبول على غدر وفجرك ماشـــــرد.
إن ماتم عرضه من نصوص أدبیة لا تعدو كونها حبة خردل فی فضاء فسیح من تلك النصوص التی نسجت على هذا المنوال ،و أن كل النبرات الخطابیة تتواءم وتتوافق فی العرض، ولنا إن یقول فی هذا المجال إن كل الأصوات تتشابه عندما تجابه بالقمع والاضطهاد، فما بالك بالقمع والجور والاستشهاد.
إن أدبائنا كتبوا فأبدعوا ،وسردوا فأتقنوا، وقولنا هذا لیس تشدقاً بأمجاد غابرة ، أو كما قالت : ـــــــ إحدى الكاتبات العربیات عندما ترید السخریة من الواقع العربی ..أمجاد یا عرب أمجاد.. لأننا هنا لسنا فی موضع سخریة ،وانما فی موضع تمجید لعطاءات كرّمت عطاءات .
ولا نملك فی ختام دراستنا هذه إلا القول إن العذاب فی أیامنا هذه یجب أن یمس الروح ویجرح الكبریاء ، حتى نستطیع صیاغة النصوص الأدبیة التی تعبر عن عمق الماسأة التی نعیشها بأخیلة شعریة كانت، أو قصصیة أو روائیة ، ولكن ألیس المهم أن نعبر ولا نحتكم للوجوم ولا نتقوقع داخل أنفسنا.؟

نوشته شده در سه شنبه بیست و سوم شهریور 1389ساعت 4:4 توسط اهوازی|


آخرين مطالب
»
» المحيبس
» أدب البند أدب حويزي
» کالبد شکافی مکتب ایرانی در اندیشههای متفکر شهید استاد مطهری
»
» الاهوار
» الذكرى 129
» قرية سوسان
» نَخًل تقی شهر شعله ها
» محمد رسول الله
Design By : Pars Skin